أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
444
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : يُكْفَرُ بِها في محلّ نصب على الحال من الآيات ، و « بِها » في محلّ رفع لقيامه مقام الفاعل ، وكذلك في قوله « وَيُسْتَهْزَأُ بِها » والأصل : يكفر بها أحد ، فلمّا حذف الفاعل قام الجارّ والجرور مقامه ، ولذلك روعي هذا الفاعل المحذوف ، فعاد عليه الضمير من قوله « مَعَهُمْ » « حَتَّى يَخُوضُوا » كأنه قيل : إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها المشركون ويستهزئ بها المنافقون فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره أي : غير حديث الكفر والاستهزاء ، فعاد الضمير في « غَيْرِهِ » على ما دلّ عليه المعنى . وقيل : الضمير في « غَيْرِهِ » يجوز أن يعود على الكفر والاستهزاء المفهومين من قوله « يُكْفَرُ بِها » و « يُسْتَهْزَأُ بِها » ، وإنما أفرد الضمير وإن كان المراد به شيئين لأحد أمرين : إمّا لأنّ الكفر والاستهزاء شيء واحد في المعنى . وإمّا لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة نحو : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ « 1 » وقوله : 1672 - كأنّه في الجلد توليع البهق * . . . « 2 » وقد تقدّم تحقيقه في البقرة . و « حَتَّى » غاية للنهي ، والمعنى : أنه يجوز مجالستهم عند خوضهم في غير الكفر والاستهزاء . قوله : إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ « إذن » هنا ملغاة لوقوعها بين مبتدأ وخبر . والجمهور على رفع اللام في « مِثْلُهُمْ » على خبر الابتداء . وقرىء « 3 » شاذا بفتحها ، وفيها تخريجان ، أحدهما : - وهو قول البصريين - أنه خبر أيضا ، وإنما فتح لإضافته إلى غير متمكن كقوله تعالى : « إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » « 4 » بفتح اللام ، وقول الفرزدق : 1673 - . . . * . . . وإذ ما مثلهم بشر « 5 » في أحد الأوجه . والثاني : - وهو قول الكوفيين - أن « مثل » يجوز نصبها على المحل أي الظرف ، ويجيزون : « زيد مثلك » بالنصب على المحل أي : زيد في مثل حالك . وأفرد « مثل » هنا وإن أخبر به عن جمع ولم يطابق به كما طابق ما قبله في قوله : ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ « 6 » ، وقوله : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ « 7 » : قال أبو البقاء وغيره : « لأنه قصد به هنا المصدر فوحّد كما وحّد في قوله : أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا « 8 » . وتحرير المعنى : أن التقدير : إن عصيانكم مثل عصيانهم ، إلا أنّ تقدير المصدرية في قوله « لبشرين مثلنا » قلق . قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ : فيه ستة أوجه : أحدها : أنه بدل من قوله : « الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ » ، فيجيء فيه الأوجه المذكورة هناك . الثاني : أنه نعت للمنافقين على اللفظ فيكون مجرور المحل . الثالث : أنه تابع لهم على الموضع فيكون منصوب المحلّ ، وقد تقرر أنّ اسم الفاعل العامل إذا أضيف إلى
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 68 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 375 ) . ( 4 ) سورة الذاريات ، الآية ( 23 ) . ( 5 ) جزء بيت وتمامه فأصبحوا قد أعاد اللّه نعمتهم * - - إذ هم قريش . . . انظر ديوانه ( 167 ) ، الكتاب ( 1 / 60 ) ، المقرب ( 1 / 102 ) ، المغني ( 87 ) ، رصف المعاني ( 312 ) . ( 6 ) سورة محمد ، الآية ( 38 ) . ( 7 ) سورة الواقعة ، الآية ( 22 ) . ( 8 ) سورة المؤمنون ، الآية ( 47 ) .